يقول لنا الأباء أن أباءهم وأجدادهم كانوا يعتبرون البيت الخالي من الزيت والتمر والشعير بيت فقير ولو كان قصراً..
والزيتونة .. هذه الشجرة التي كافأناها بالإهمال منذ الانقلاب المشؤوم الذي أهلك الحرث والنسل.. فتم التركيز على استيراد الزيوت
النباتية الأخرى بدل أن يوجه الدعم لهذه الشجرة المباركة والتي يكاد انتاجها يسد حاجة سوقنا المحلي.. فلم تتطور أساليب العناية واختيار النوعيات الجديدة التي تعطي انتاجاً أكثر، ولم تولي عصابة الانقلاب الكارثي أدنى عناية بتوفير الآليات الحديثة والمعاصر المتطورة والخدمات الأخرى المتعلقة بهذه الثروة..
أذكر أنه كانت هناك معصرة في وسط مدينتنا تسمى "معصرة عصمان" عملت فيها وأنا طفل صغير، وكانت أجرتنا عبارة عن "خبز ساخن" و "زيت زيتون" طازج من المعصرة.. كانت تلك المعصرة بدائية تدار بمحرك ديزل قديم وتنقل الحركة بواسطة سيور عريضة طويلة تملأ فضاء المبنى فتحتار أين بدايتها وأين ستنتهي..
كانت هذه السيور تدير مطحنة الحبوب في المبنى الرئيسي، وتدير معصرة الزيتون في المبنى المجاور.. وكانت السيور تخترق الجدار الفاصل بين المبنيين، وكنا -نحن الأطفال- نحار كيف تدور تلك العجلات الصخرية بدون محرك لأننا كنا لا نرى المبنى الرئيسي، هذه العجلات تتكون من شقي رحى ضخم تدور في صحن كبير توضع فيه حبوب الزيتون لتهرسها بثقلها وهي تدور، ثم تصب العجينة المهروسة في عربات خاصة وننقلها إلى آلة الكبس التي تتكون من أقراص حديدية توضع بينها مفارش ليفية بقطر الأقراص، فنضع الخليط المهروس على المفرش وفوقه يوضع القرص الحديدي ويتكرر هذا الوضع على العربة الخاصة بالكبس التي يتمركز فيها عمود بارتفاع الآلة يحافظ على تراصف الطبقات، ثم تدخل العربة إلى آلة الكبس حيث يتم عصر الزيتون الذي يتسرب قطرات على جوانب الأقراص ليتجمع في الأسفل حيث يتم ضخه في خزان ليعالج ومن ثم يعبأ في الأوعية المخصصة..
أذكر أن بعض النساء البدويات كن يأتين بقليل من حبوب الزيتون الذي جمعنه من تحت أشجار الزيتون المنتشرة في المدينة، وكان الحاج "عصمان" رحمه الله يأخذه منهن ويعطيهن زيتاً معصوراً حسب الكمية.. وكنا نعد هذا عملاً خيرياً لمساعدة الفقراء وتشجيعاً على العناية بهذه الشجرة المباركة..
الآن.. نملك زيتونتين بمنزلنا ولكننا نفكر ألف مرة كيف سنعصر المحصول.. إذا أن المعاصر بعيدة وزحمتها تفوقت على كل زحام لقلتها.. فنلجأ إلى أحد الأقارب الذين يملكون أشجاراً كثيرة لنضم محصولنا القليل الفقير إلى محصولهم ثم نأخذه زيتاً معصوراً يكفينا
طيلة السنة، ولكن باستعمال مقنن محكم...
نأمل خيراً في العهد الجديد، ليعود لهذه الشجرة مجدها ومكانتها لدى الناس..
بارك الله في زيتوننا ونخلنا،، وبارك الله في مدينتنا وأهلنا..

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق