من المسائل التي كانت تؤرقني -ولا زالت-، إفساد البشر لهذا الكون المُسَخَّرِ له..
ومن هذا الإفساد الكم الهائل من الورق الذي يستهلكونه في ما لا فائدة تعود عليهم منه..
من ذلك..
المؤلفات التي تتناول الهرطقات البشرية والدراسات التي تقام عليها ولها..
كذلك الاجراءات الروتينية التي تفرضها الحكومات المتخلفة على شعوبها..
والمطبوعات التي لا قاريء لها، كالكثير من الصحف والمجلات، عدا عن تلك اللأخلاقية الإباحية الداعرة، فلها جمهورها ومتصفحيها..
والمتأمل لقول الله تعالى (ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس).. يدرك أن من الكسب "الكتابة-الطباعة" التي تستهلك الكثير من الورق، والكثير من الأحبار الكيميائية..
وقد كنت أستشيط غضباً كلما رأيت مؤلَفَاً -كتاب- لا قيمة له، هو أشبه كثيراً بهلوسات المسطولين المخدرين منه بكتابٍ أدبي..
يدعون أنه أدب النخبة، حيث يستعرضون عضلاتهم "المتفقعصة" على الكلمات المشوهة، ويوهمونك بأن لها معنىً يغيب عن أدهان العامة، كاللوحات الفنية التي لا يفهمها أحد حتى الذين رسموها، كما ترسم القردة والفيلة، وكما عرض أحد أعمدة الفن "والتر دي ماريا-Walter de Maria" لوحة غرفة الأرض "Earth Room" وهي عبارة عن 50 متراً مكعباً من القاذورات الترابية "الخالصة" في قاعة "هاينر فريدريك-Heiner Friedrich" في مدينة ميونيخ بألمانيا سنة 1968م...
أما الأفكار التي يبهرنا بها أصحاب جنون العظمة فحدث عنها ولا حرج..
فمثلاً..
هرطقات وتخرصات "القذافي" التي أنفق عليها مئات الملايين من الدولارات، وقطعت من أجلها آلاف الهكتارات من أشجار الغابات، وأهرقت آلاف الأطنان من الأحبار المختلفة، لا تعدو كونها اجترارٌ لفلسفاتٍ تجاوزتها الحضارة الانسانية لبدائيتها وتناقضها مع فطرة الانسان وواقع حياته..
ولم يكتفِ ذلك المخلوق بما سطره في الكتب والمنشورات من دجلٍ وخُزعبلات، بل فرض مقولاته على كل النماذج والمستندات الإجرائية الإدارية في البلاد..
فلا يخلو نموذج إجرائي منها حتى جواز السفر وكتيب العائلة وغيرهما..
كذلك فرض مصطلحات "صرصورية" تزيد من حجم الهدر الورقي والحبري..
فبدل أن تكتب -تطبع- "دولة ليبيا" أو "جمهورية ليبيا" أو "المملكة الليبية" تكتب جملة من (6) ست كلمات..
وبدل أن تكتب "محلة"، تكتب " المؤتمر الشعبي الأساسي"..
ومن المضحكات المبكيات أنني عددت تكرار هذه العبارة 42 مرة في صفحة واحدة ومقال واحد في إحدى صحف عهد الفوضى المنهار..
وبدل أن تكتب "وزارة"، تكتب "أمانة اللجنة الشعبية العامة"..
وغيرها الكثير من المهازل التي تدمي القلب..
والآن..
وبعد أن انطلقت الأيدي من أسارها.. خرجت علينا "مئات" الصحف و"آلاف" المنشورات التي -أغلبها- لا تقتنى ولا تُقرأ..
كل هذا وبلادنا تفتقر لشيئين هامين لتوفير المادة الورقية..
- الغابات..
- وصناعة إعادة التدوير..
فإذا علمنا أن كل "طن" من الورق، يحتاج في صناعته إلى "17" شجرة، وإلى آلاف الأمتار المكعبة من المياه.. سندرك مدى حجم الكارثة التي نسببها لخراب هذه الأرض، وبالتالي دمار الحياة عليها..
فمن جهة.. تدمر الغابات التي تعتبر رئة الآرض التي تتنفس بها، وتراق الأحبار الكيميائية من جهة أخرى، وكلاهما يزيد من تلوث البيئة وإفسادها..
والإجراءات الإدارية والمكاتبات تستهلك الكثير من الورق والأحبار، ولو فكرنا قليلاً لأمكن توفير الكثير منهما..
ويمكن توفير الكثير بالابتعاد عن الاطناب في الوصف والولوج مباشرة إلى صلب الموضوع، ومحاولة استعمال المختصرات -كلما أمكن-، وقبل ذلك كله إلغاء ما لا لزوم له من الأوراق والمستندات، وإدخال فكرة الحكومة الإلكترونية..
كل ذلك يقينا من كارثة التلوث والإفساد في البر والبحر..
خذ مثلاً..
حاولت أن أستخرج معاملة بسيطة -شهادة خبرة- فقيل لي يجب أن تتقدم بطلب، وتستوفي "إخلاء طرف"..
قلت لهم: إنني الآن أطلب بلساني ولا داعي للورق، وإن كان لكم إلتزام عليَّ فلتطلبوه مني الآن بدل سياحة "إخلاء الطرف" التعذيبية..
لكنهم رفضوا.. لأن "صرصور المجاري" لا زال يعشعش في غرفات تفتيشهم "العقلية"..
والمجتمعات المتحضرة التي فطنت لهذا الخطر الداهم، ما فتئت تنذر به وتحذر منه وتعمل لأجل تداركه..
فتراهم يحرصون على تعويض الأشجار المقطوعة وغرس مساحات جديدة..
ويتحولون إلى استعمال المعلوماتية أو "الحكومة الإلكترونية" والتقليل من استعمال الورق في المعاملات..
حتى رأينا الملاحظات التي تطلب منك بلطفٍ عدم طباعة بريدك الإلكتروني بعد أن اطلعت عليه..
وسمعنا أن في اليابان آلات تصوير تقوم بمسح الورق المطبوع ليعاد استعماله كأنه جديد..
إضافة إلى صناعة تدوير الورق المزدهرة عندهم..
فرفقاً يا ساكني الأرض بالأرض..
فهي أمكم من قبل ومن بعد..
(مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى)..
****

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق