كثيرون من الإخوان يسخرون من هذه العبارة، لكون أن قائليها هم طغاة هذا العصر الذين لم يقرأوا التاريخ، أو أن طغيانهم أعماهم عن رؤية الحقيقة والواقع.. ويريد الإخوان أن يُلبسوا هذه العبارة ألسنة معارضيهم، ليختزلوا الشعب فيهم، فكأن هذه العبارة قُصد بها الإخوان لا غيرهم..
والإخوان المسلمون في ليبيا، جماعة لها جذورها وتاريخها في هذا البلد، ولكن الظروف السياسية والأمنية لم تتح لها الانتشار الطبيعي في أوساط هذا الشعب، بل إنها عانت من الظلم والانتهاكات ما من شأنه أن يجثتها من جذورها، لو لم تكن هي جماعة الإخوان المسلمون.. الصابرة المجاهدة الثابتة المتيقنة من نصر الله وفتحه..
ولكن..
اقتصار الانتساب لهذه الجماعة على نخبة من أفراد المجتمع، الذين تلقوا تعليماً راقياً، أو أنهم كانوا مغتربين، بسبب الشدة والبطش الذين مارسهما المجرم المقبور على كل من ينتسب أو يتعاطف مع الجماعة.. كل هذا حجم الجماعة وجعلها تمارس نشاطها في سرية تامة وعلى قدرٍ كبير من الخطورة.. حتى أن أفرادها يكادون أن يُعرفوا بالإسم لقلتهم وندرتهم..
هذا الأمر.. قلة المنتسبين.. يجعل من خوض غمار السياسة، في هذا الوقت، أمرٌ في غاية الخطورة لعدة أسباب..
منها: عدم معرفة عامة الشعب بالجماعة، والصورة القبيحة التي رسمها المجرم المقبور لها، وخاصةً في المناهج الدراسية، بما يسمى "الفكر الجماهيري" والتحريض الدائم عليها إعلامياً..
ومنها: تشويه الجماعة بإلصاق كل أمر سيء يخص الدين بها.. حتى أن الناس كانوا لا يفرقون بين المتدينين مهما اختلفت مشاربهم وانتماءاتهم، فكلهم "إخوان"..
ومنها: اجتماع المتناقضين لحرب الجماعة، لأنهم يخشون انتشارها السريع في أوساط الشعب. فالسلفيون والليبراليون أو العلمانيون لا يألون جهداً في محاربة هذه الجماعة، خدمةً لأطراف خارجية لا تنكر ولا تخفي عداوتها للجماعة..
ومنها: غياب البنية التحتية للجماعة، والتي تحتاج إلى وقت وجهد وجهاد طويل وثقيل..
ومنها: غياب أو قلة الرموز التي تشكل ثقلاً اجتماعياً تقليدياً في أوساط الشعب..
واعتقد أن دخول الجماعة معترك السياسة في هذه الأجواء، والاكتفاء بالظهور الإعلامي فقط لتضخم صورتها، يجعل منها هدفاً سهلاً لإصابتها في مقتل -لا سمح الله-.. وكأنها نمرٌ من ورق..
قد يكون الذوبان في أوساط هذا الشعب، وممارسة العمل التربوي والاجتماعي، والتركيز على الجانب العملي الذي يلمسه المواطن العادي، هو الذي سيُعّرِّفُ بالجماعة ويقربها من قلوب الناس.. وبالتالي تفوت الفرصة على المتربصين بها..
فبناء النواة الصلبة، هو الذي يجعل الكيان متيناً وجميلاً، ويثير إعجاب الآخرين..
فالعمل .. العمل..
والدارس للسيرة النبوية، ومذكرات الدعوة والداعية، وما نراه الآن، سيلاحظ الفرق بين الأصل والصورة..
إني أرى الجماعة الآن وكأنها تنهج أسلوب "حزب التحرير" الذي ينادي بالتغيير "الفوقي" دون النظر إلى القاعدة.. ولطالما عاب الإخوان على هذا النهج وأضراره على البلاد والعباد..
على الإخوان أن لا تغرهم أنفسهم، وأن يقتنعوا بأنهم قلة قليلة "نخبة"، وأن غالبية الشعب لا تعرفهم..
إن الاغترار بما جرى ويجرى لدى جيراننا وقياسه على حالتنا الليبية، هو قياسٌ خاطيء وخادع.. فانتشار الإخوان في تونس ومصر أمرٌ يعرفه الجميع، وذلك بسبب ظروف البلدين السياسية والاجتماعية. فمصر هي القاعدة والمنبع والأصل والجذر لكل "الإخوان المسلمون" في العالم، وعمرها حوالي ثمانين سنة مليئة وزاخرة بالجهاد والانجازات.. وتونس لا تختلف كثيراً من حيث فسحة حرية العمل -وإن كانت قصيرة- التي عاشتها حركة "الاتجاه الإسلامي" في أواخر عهد الرئيس أبورقيبة وبداية عهد الرئيس"زين العابدين" إضافة إلى توفر الكوادر المثقفة ووجود رموز لها وزنها في المجتمع..
إن مقارنة حالة "الإخوان" في مصر وتونس بحالتهم في ليبيا هو ظلم للجماعة، تمارسه على نفسها ويمارسه غيرها عليها.. فتضخم الرأس على حساب الجسد ينتج كياناً مشوهاً معاقاً لا يرجى منه إنجازٌ مميز أو هدفٍ يُحقَق..

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق